 |
| غلاف كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة |
| اسم الكتاب |
فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة |
| المؤلف |
أبو حامد الغزالي |
| القسم |
العقيدة الإسلامية، الرد على المخالفين |
| عدد الصفحات |
١٣١ |
| اللغة |
العربية |
| تشرفت بخدمته والعناية به |
اللجنة العلمية بمركز درا المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي |
| عدد الأجزاء |
1 |
| حجم الملف |
٣.١ MB |
| الناشر |
دار المنهاج |
| دولة النشر |
لبنان، بيروت |
| الطبعة |
الأولى، ٢٠١٧ |
| نوع الملف |
PDF |
كتاب فيصل التفرقة
يتصدَّرُ كتاب ( فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة » قائمة الكتب الأصولية التي تُعنى بمسألة التكفير ، والتي عَوَّلَ عليها الفقهاء والمتكلمون في تحرير المسألة وتأصيلها ، وما أصعب الحديث عن التكفير عندَ مَنْ يهابه ويخافُهُ ! وما أيسرَهُ عِندَ مَنْ لا يعرف قدره وخطرَهُ ! وما تحرَّجَ فقيه متضلّع كتحرجه في مسألة كفر تُرفَعُ إليه ، ولا سيما مِنْ تلك اللواتي تَدِقُّ ويخفى مأخذها .
الغزالي يُرمى بالكفر والضلال !
كان السبب لتأليف الكتاب : أنَّ طالباً أو صديقاً للإمام الغزالي رحمه الله سمعَ مِنْ خصومِ الإمام كلاماً يرمونه فيه بالكفر والضلال ، منشؤُهُ الغَيرة والحسد ، فجاء إليه يشكو ما سمع وهو حَنِقٌ مُغضَبٌ ، فكان هذا سبب التأليف ؛ قال في مقدمته : ( فإنِّي رأيتك أيُّها الأخ المُشفِقُ والصديق المُتعصب .. مُوغَرَ الصدر ،مُقسَّم الفكر ؛ لِمَا َقرعَ سمعَكَ مِنْ طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملاتِ الدِّينِ ، وزعمهم أنَّ فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين ، وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر .. كفر ، ومباينته ولو في شيء نَزْرِ .. ضلال وخسر.
ثم قال له كلمته الذهبية في توصيف سنَّةِ اللَّهِ تعالى للكُمَّلِ مِنْ عباده : ( واستحقرْ مَنْ لا يُحسَدُ ولا يُقذَفُ ، واستقصرْ مَنْ بالكفر والضلال لا يُقرَفُ ؛ فأيُّ داعٍ أكمل وأعقلُ مِنْ سيد المرسلين ، وقد قالوا : إِنَّهُ مجنون مِنَ المجانين ؟! وأي كلام أجل وأصدقُ مِنْ کلام رب العالمين ، وقد قالوا : إِنَّهُ أساطير الأولين ؟!.
ومع هذا لا شك بأنَّ الإمام الغزالي أراد « فيصل التفرقة » كتاباً مرجعياً عند القاضي والفقيه في قضايا ومسائل التكفير .
متى ولمن أُلّفَ « فيصل التفرقة »
عبارة الإمام السالفة : ( ... على بعض كتبنا في أســرار معاملات الدِّينِ ( تُومِي بأنَّ تأليف ( فيصل التفرقة » كان بعد كتابه العظيم ( إحياء علومِ الدِّينِ ) ، وقبل سيرته الفكرية « المنقذ مِنَ الضلال » ؛ إذ قال فيه : ( وقد ذكرنا في كتاب « فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة » ما يتبيَّن به فساد رأي مَنْ يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه.
وكان قد أَلَّفَ « المنقذ » على رأس الخمسينَ مِنْ عمره كما نص فيه ؛ كما أنَّهُ أحال إلى « فيصل التفرقة » في كتابه الأصولي المستصفى » والذي أَلَّفَهُ قُبَيْلَ وَفاتِهِ رَحمَهُ اللهُ تعالى.
ويظهر لكَ مِنْ نصّ ( المنقذ » لِمَنْ أُلِفُ « فيصل التفرقة » ؛ لأولئك الذين وسعوا دائرة التكفير ، حتى صار ميزان التكفير عندهم هو اعتقادَهُمُ الذي اعتقدوه ، ومذهبهم الذي انتحلوه ، فمَنْ جاوزه .. فهو كافر .
وغاب عنهم أنَّ الشريعة كما فيها كبائر وصغائر في الفقهيات فكذلك الاعتقادات فيها كبائر وصغائر ؛ ثم كبائرها على ضربين :
مُخرج مِنَ الإيمان وهو موضوع الكتاب .
وموبق بالبدعة والضلال والتفسيق ؛ كنفي صفات المعاني عن الذات العلية ، أو تشبيهها بالحوادثِ مِنْ غير سوء طويةٍ ، أو نفي لعذاب القبر ، وتأويل لمراحل الحشر والنشر .
فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
العقل الأصولي الفذ الذي سكن قلب الإمام الغزالي ، والذي امتاز به كثيراً مِنْ أقرانِهِ وأهل زمانِهِ .. كانَ مُولعاً بوضع المعايير والموازين ؛ إذ بها تُعرَفُ حقائق الأشياء ؛ فلما كان اليقين عزيز المنال وأدعياؤُهُ كُثراً .. وضع لتحقيق أمره كتابه « معيار العلم » ، ولما كان العملُ مُشتبهاً على العُمَّالِ الجادين في السير إلى اللهتعالى .. أَلَّفَ « ميزان العمل » ، ولئن كان لنا أن نُعرِّف « فيصل التفرقة ) بهذا الأسلوب .. لقلنا : « معيار الكفر » ، أو « ميزان الزندقة » .
فلم يكتف رحمه الله تعالى بما دَوَّنَهُ حول هذه المسألة في كتبه الفقهية ، بل أفرد له فصلاً هاماً جداً ختم به كتابه « الاقتصاد في الاعتقاد » ، والذي أكد فيه كون التكفير مسألة فقهية محضةً ، فالله تعالى أن يجعل ما شاءَ علامةً على الكفر وعلى الإيمان.
ولهذا نبه الإمام على ذلك فقال : ( اعلم قبل كل شيء : أَنَّ التكفير مسألة فقهيةٌ ؛ أعني : الحكم بتكفير مَنْ قالَ قولاً أو تعاطى فعلاً ...) إلى أن قال : ( معرفة الكذب والجهل يجوز أن يكون عقلياً ، أما معرفة كونِهِ كافراً أو مسلماً .. فليس إلَّا شرعياً )وبعدها تحدث عن مراتب التكفير الستة .
وفي « المستصفى » أيضاً سرَّحَ القلم في هذا ورد الكفر إلى أصول ثلاثة .
وفي « تهافت الفلاسفة » تحدَّثَ بإيجاز عن تكفير الفلاسفة الإسلاميينَ مِنْ حيث إنكارهم مسائل ثلاثة أيضاً .
ولكن هذا كلَّه مُفرَّع عن أصل أصيل للتكفير كان قد فصَّلَهُ في « فيصل التفرقة » ؛ وهو : ( أنَّ كلَّ مَنْ كَذَّبَ محمداً صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . . فهو كافر ) (۱) ، وقال : ( الكفر : هو تكذيب الرسول صلوات الله عليه في شيء مما جاءَ بهِ ، والإيمان : هو تصديقه في جميع ما جاء به ).
فهو صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الفيصل ، وعلى الإيمان به وبما جاءَ المُعوَّلُ ؛ إذ هو الواسطة بين الخلق والحقِّ ، وأركان الإيمان مِنَ الإلهيات والنبوات والغيبيات تصدر عنه ، وهو الصلة بين العبد ورته ، فلا عجب بعد أن صلَّى المولى عليه ، وأمرنا بالصلاة عليه ، صلوات ربي وتسليماته عليه .
ولهذه العلة قرَّرَ الإمام الغزالي في « فيصل التفرقة » قاعدة متينة ؛ وهي : ( كلُّ كافر .. فهو مُكذِّبٌ للرسول ، وكلُّ مُكَذِّبِ فهو كافر ) ، وهي العلامة المطردة المنعكسة.
أهل الفترة وصف لم يقيد بزمن بعينه
لقد فاجأ الإمام الغزالي خصومه بتحرير هذه المسألة الدقيقة ؛ وهي ما ذهب إليه جماهير علماء السنَّةِ مِنْ نجاة أهل الفترة ، بل نجاة كلِّ مَنْ لم تبلغه دعوة النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهذاإلى هنا لا غرابة فيهِ ، غير أنَّ الإمام الغزالي يُدقِّقُ النظر ، ويُحرِّرُ المسألة ، فيجعلُهم على ثلاثة أصناف مِنْ حيث بلوغ الدعوة :
الصنف الأولُ : مَنْ لم يبلغهُمُ اسم النبي محمد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أصلاً ، وهؤلاء معذورون .
الصنف الثاني : بلغَهُمُ اسمُهُ وتأييده بالمعجزات ، وهؤلاء هم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم ، وهم الكفَّارُ المُخلدون .
الصنف الثالث : مَنْ بَلَغَهُمُ اسمُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولكن بلغهم وصفُهُ مُحرَّفاً ؛ فسمعوا أنَّ كذَّاباً مُلبِّساً اسمُهُ محمد ادَّعى النبوة ، وهؤلاء معذورون أيضاً .
ولذلك قال : ( بل أقولُ : أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملُهُمُ الرحمة ... ) ، ثمَّ فَصَّلَ القول ، وأنت ترى زيادة على نص إمامه الشافعي رضي الله عنه حيث يقولُ : ( ولا أعلم أحداً لم تبلغه الدعوة اليوم إلَّا أن يكونَ مِنْ وراء عدونا الذين يقاتلونا أُمَّةٌ مِنَ المشركينَ ، فلعل أولائك ألا تكون الدعوة بلغتهم ، وذلك مثل أن يكون خلف الروم أو الترك أو الخزرِ أُمَّةٌ لا نعرفهم ) .
فقد بين الإمام الغزالي أنَّ العلَّةَ ليست مفردةً ، بل هي مركبة من بلوغ الدعوة بلوغاً صحيحاً سليماً يدعو للبحث والطلب ، ولا يخفاك اليوم حجم الهجمة الإعلامية في تشويه هذا الدين الحنيف ، بل واصطناع إسلام جديد دعوته الكبرى تنفير الناس عن الدين القويم .
أبرز القضايا التي عالجها « فيصل التفرقة »
لقد عرض الإمام الغزالي رحمه الله على عَجَلٍ لبعض القضايا العلمية التي تهم الباحثين :
عنوان الكتاب الذي يومئ بالتسوية بين الكفر والزندقة
- هجر خصام العوام ، ومَن هم في حكمهم من طلبة العِلْمِ القاصرين .
- بيان صفاتِ الفقيه الذي يجوز له الخوض في مسائل دقيقة كمسألة التكفير ، وهي خمسة .
-تلميحه رحمه الله تعالى لعدم التطابق بين مصطلحي ( أهل السنَّة ) و ( المسلمين ) ، وأنَّ الحقَّ هو شرع الله وهو للجميع .
- ضبطه رحمه الله تعالى لمراتب التأويل ، وما يجوز منه وما يمنعُ ، وما بينَ ذلكَ مِنْ رُتَبٍ ، وذلك في بحث كامل .
- جواز تسمية بعض المسلمين بالضَّلالِ والمُبتدعة
-تحريره رحمه الله تعالى لمعنى افتراق الأمة الإسلامية إلى بضع وسبعينَ فِرْقةً .
-إثباته رحمه الله تعالى لتفاوت مراتب التكفير ، ووجوب الأخذ بالاحتياط .
-بحثه رحمه الله تعالى في إثبات صحة إيمانِ المُقلّد والرد على غُلَاةِ المُتكلمين .
- تجليته رحمه الله تعالى للأحكام التفصيلية في تعلم علم الكلام ، وقطع وجوبه العيني والكفائي في حق البعض .
سعة رحمة الله تعالى
بلغ بالإمام الغزالي الشأن إلى أن قال : ( إن اشتغل ـ غيرُ المسلم - بالنظر والطلب ولم يُقصِّر ، فأدركه الموتُ قبل تمام التحقيق . . فهو أيضاً مغفور له ، تشمله الرحمة الواسعة ، فاستوسع رحمة الله تعالى ، ولا تَزِنِ الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية ).
إنَّ هذا القلب المفعم بسماحة الإسلام ، المتضلّع بعلومه وفنونه ، المُنوَّر بذكرِ الله تعالى وحب نبيه ومصطفاه وحبيبه لهو القلب الذي تطمئن له النفوس الزكية ، وتُطأطئ أمامه رؤوس المخالفين احتراماً وتقديراً ، وبمثل هذه التحريرات والتدقيقات كان الغزالي حُجَّةَ الإسلام وإمام أهل السنَّةِ .
وكم وردت كلمة ( الكفر ) في الكتاب والسنَّة على غيرمعناها الاصطلاحي الشرعي ، كقوله تعالى :الَّذِينَ بَدَّلُوانِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ ، وقوله : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، فالأولى : بمعنى الجحود وترك الشكر عليها ، والثانية كما قال الإمام الغزالي ؛ أي : مُكذِّباً به و جاحداً له .
وكما قال عموم السلف : كفر دون كفر ، وقد عقد لذلك البخاري باباً في صحيحه » عنونه بقوله : ( باب کفرانِ العشير ، وكفر دون كفر ) وساق الآية ، وقال النبي صلى الله عليه وسلَّمَ في النساء : ( يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ » (١) ، أي : يكفرن الإحسان .
وقالَ : ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) ، أي : مُتشبِّهِينَ بهم ؛ إذ قالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ » (1) .
وفي التنزيل الحكيم : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ) أي : الزراع ؛ لأنَّهُم يسترونَ البَدْرَ في الأرض ، ومنه قول الشاعر :
ياليل مالك آخر
يأتي وهل لليل آخر
لي فيك أجر مجاهد
إن صح أنَّ الليل كافر
بل قال أهل اللغة : إنَّ مادَّةَ ( ك ف ر ) دالة على الستر والتغطية ، وهذا يفيد أنَّ الكفر الشرعي ناشئ عن عناد وجحود للحق ، وهو ما أَكَدَهُ « فيصل التفرقة » .
وأورد الإمام الغزالي حديثاً مَفادُهُ أَنَّ اللهَ تعالى يُدخِلُ سبعين ألفاً معَ كلِّ واحدٍ منهم سبعين ألفاً مع المضاعفة سبعين ألفاً بغير حساب ، وفيه : « فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ؛ لا يَبْلُغُ هَذَا أُمَّتِي ؟ قَالَ : أُكَمِّلُهُمْ لَكَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ لا يَصُومُ وَلَا يُصَلِّي ».
فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
وهذا العطاء الرباني والرحمة الواسعة لا تزيد المؤمن باللهتعالى مع زيادة الرجاء إلَّا زيادة خوف ، وقد قال العارف بالله تعالى سهل بن عبد الله التستري : ( العارف يخاف أن يُبتلى بالكفر ) .
وما خاف السلف رضي الله عنهم شيئاً كخوفهم من الخاتمة ، وبعضُهم تمحض خوفهم إلى السابقة الأزلية ، قال الإمام الغزالي : ( وكلُّ ذلك خوفاً مِنْ خطر العاقبة )